حين يتحول ملعب بوجمعة كميتي إلى مسرح للفوضى الجميلة: كيف سرقت النجم الساحلي فوزاً لم تستحقه من أولمبيك باجة
في الدقيقة الثالثة والتسعين، حين ارتفع رأس محمد أمين بن حمزة فوق الجميع ليحوّل عرضية عابرة إلى شباك محمد علي يوسفي، لم يكن هناك من يصدّق ما يرى. الملعب الذي كان يهتف لأولمبيك باجة طوال ساعة ونصف، انقلب في لحظة إلى صمت مطبق، صمت لا يقطعه سوى زئير المشجعين الساحليين القليلين الذين جاؤوا إلى بوجمعة كميتي وكأنهم يعلمون شيئاً لا يعلمه أحد. لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة: النجم الساحلي لم يستحق هذا الفوز، وأولمبيك باجة خسر مباراة كان يجب أن يحسمها قبل أن تصل إلى تلك اللحظة القاتلة.
الشوط الأول: كرة قدم بلا رحمة ولا هوية
لنكن صادقين من البداية. الشوط الأول لم يكن كرة قدم بقدر ما كان صراعاً على الأرضيات، التحامات في منتصف الملعب، وتمريرات طويلة تبحث عن رؤوس لا تجدها. أولمبيك باجة بدأ المباراة وكأنه يريد إثبات أن الأرض أرضه، لكنه فعل ذلك بطريقة دفاعية أكثر منها هجومية. الاكتفاء بالسيطرة على الاستحواذ دون ترجمة إلى فرص حقيقية هو الجريمة الكبرى التي ارتكبها الباجيون في هذا الشوط.
النجم الساحلي من جهته بدا شبيهاً بفريق جاء ليؤدي واجباً لا ليصنع حدثاً. تمريرات قصيرة بلا هدف، تحركات بلا عمق، واعتماد شبه كامل على مهارات فردية كانت تتلاشى عند أول التحام جدي. المدرب الساحلي، الذي يُفترض أنه يعرف تماماً أن بوجمعة كميتي من الملاعب التي لا ترحم، اختار مقاربة محافظة لدرجة الغموض. هذا ليس نجماً ساحلياً نعرفه، هذا فريق يبحث عن نفسه في مرحلة من الموسم كان يجب أن يكون فيها قد وجدها.
هدف باجة: حين تحولت الأفضلية إلى وهم
في الدقيقة الثامنة والعشرين، سجل أولمبيك باجة هدف السبق عبر يوسف الطرابلسي، وكان الهدف انعكاساً كاملاً لمجريات الشوط. ضغط، استحواذ، ثم اختراق مدروس. للحظة، بدا أن المباراة ستسير في اتجاه منطقي. لكن ما حدث بعد الهدف هو الكارثة التكتيكية الحقيقية.
بدل أن يضغط أولمبيك باجة على نقاط الضعف الساحلية، اختار الانكفاء. تراجع الفريق إلى منتصف ملعبه، وأعطى النجم الساحلي ما لم يجرؤ على أخذه بنفسه: المساحة والكرة والثقة. هذا النوع من التراجع ليس حذراً، بل هو جبن تكتيكي يدفع الفريق ثمنه غالياً. وفي الدقيقة الحادية والأربعين، جاء الرد الساحلي عبر تسديدة صاروخية من خارج المنطقة لتصطدم بالعارضة، كانت إنذاراً واضحاً بأن الفريق الضيف بدأ يستيقظ.
الشوط الثاني: النجم يستيقظ متأخراً... وباجة تنام مبكراً
بين الشوطين، لا يمكنك إلا أن تتساءل: ماذا قيل في غرفة ملابس أولمبيك باجة؟ هل أدرك أحد هناك أن التعادل بهدف واحد في مباراة كهذه هو انتحار مؤجل؟ الإجابة جاءت على أرضية الملعب: لا، لم يدرك أحد شيئاً.
دخل النجم الساحلي الشوط الثاني بوجه آخر، لكنه لم يكن وجه فريق عظيم بقدر ما كان وجه فريق أدرك أن خصمه منحه دعوة مفتوحة للعودة. في الدقيقة الثامنة والخمسين، جاء التعادل عبر ركلة حرة نفذها أسامة عبيد بذكاء، مستغلاً تمركزاً دفاعياً كارثياً من الحائط الباجي. وهنا، كان يجب أن تستيقظ باجة. لكنها لم تفعل.
ما حدث في النصف ساعة الأخير هو عار تكتيكي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. أولمبيك باجة، الفريق الذي كان متقدماً، وجد نفسه يلعب وكأنه الفريق الخائف من الخسارة، بينما النجم الساحلي، الذي لم يكن يستحق شيئاً، بدأ يلعب وكأنه الفريق الذي يريد الفوز. الكرة في التونسي لا تكافئ من يخاف، بل تعاقب من يتراجع. وهذه المباراة كانت دليلاً إضافياً على هذه القاعدة القديمة.
الهدف القاتل: لحظة تكشف كل شيء
الهدف الثاني للنجم الساحلي في الوقت القاتل لم يكن صدفة. كان نتيجة منطقية لسلسلة قرارات خاطئة بدأت من الدقيقة الأولى بعد هدف باجة. الدفاع الباجي، الذي وقف صامداً أغلب المباراة، انهار في اللحظة التي كان يحتاج فيها إلى أقصى درجات التركيز. عرضية عادية، رقابة غائبة، ورأس واحد في المكان الصحيح. هذه ليست كرة قدم، هذه إهمال.
والأدهى من ذلك، أن النجم الساحلي لم يقدم في هذا الهدف شيئاً استثنائياً. لم يكن هناك بناء هجومي منسق، ولا فكرة تكتيكية عبقرية. كان هناك فريق لعب حتى النهاية، وآخر توقف عن اللعب قبل النهاية. الفرق بين الفوز والخسارة في كثير من الأحيان ليس الموهبة، بل الإرادة. والنجم الساحلي، رغم كل عيوبه، أظهر إرادة. أولمبيك باجة، رغم كل أفضليته، أظهر العكس تماماً.
قراءة في الأرقام: الاستحواذ لا يعني شيئاً
سيقول المدافعون عن أولمبيك باجة إن فريقهم استحوذ على الكرة أكثر، وإنه صنع فرصاً أكثر، وإنه كان الأفضل في أغلب فترات المباراة. وكل هذا قد يكون صحيحاً. لكن الكرة لا تُحسب بالاستحواذ، بل بالأهداف. والاستحواذ الذي لا يترجم إلى انتصارات هو مجرد تمرين في العبث.
النجم الساحلي خرج من بوجمعة كميتي بثلاث نقاط لم يستحقها عن جدارة، لكنه استحقها بالدهاء. وفي بطولة مثل الرابطة التونسية الأولى، حيث كل نقطة تساوي ذهباً، الدهاء أحياناً أهم من الجدارة. هذا لا يجعل النجم الساحلي فريقاً عظيماً، لكنه يجعله فريقاً يعرف كيف يفوز حين لا يلعب جيداً. وهذه صفة خطيرة.
الخلاصة: درس قاسٍ لباجة، وتحذير للنجم
على أولمبيك باجة أن يفهم أن التراجع بعد التقدم هو دعوة مفتوحة للخسارة. وعلى مدربه أن يعيد النظر في طريقة إدارته للمباريات، لأن ما حدث اليوم سيتكرر غداً إن لم يتغير شيء. أما النجم الساحلي، فعليه ألا ينخدع بهذا الفوز. الفريق الذي يفوز بالأخطاء لن يفوز دائماً. وفي مباراة قادمة ضد خصم لا يرتكب أخطاء باجة، سيجد نفسه عاجزاً.
ملعب بوجمعة كميتي شهد اليوم مباراة لن تُنسى، ليس لجمالها، بل لغرابتها. كرة القدم تمنح أحياناً من لا يستحق، وتسرق ممن يستحق. هذه هي قسوتها، وهذا هو سحرها. لكن النسخة الحقيقية من الحقيقة تبقى واحدة: أولمبيك باجة خسر نفسه قبل أن يخسر المباراة. والنجم الساحلي، بكل تواضع، فقط كان هناك ليلتقط ما سقط.