عندما تصبح كرة القدم عبئاً: ليلة نايميخن التي كشفت زيف "الأوروبي" الصغير
في الدقيقة الثالثة والتسعين، وقف حارس مرمى ليفسكي صوفيا وحيداً في منتصف منطقة الجزاء، يحدّق في السماء الرمادية فوق ملعب دي غوفيرت، وكأنه يبحث عن إجابة لسؤال لم يطرحه أحد. خلفه، كانت الجماهير الهولندية قد بدأت بالفعل في مغادرة المدرجات، لا غاضبة ولا حزينة، بل بذلك النوع من اللامبالاة الذي يلي وجبة عشاء ثقيلة. النتيجة 1-1. نقطة لكل فريق. وكأن شيئاً لم يحدث.
لكن شيئاً حدث بالفعل. حدث كل شيء، ولم يحدث شيء على الإطلاق. وهذا بالضبط هو جوهر المشكلة.
مسابقة تبحث عن معنى في مدينة لا تبحث عن شيء
دعونا نكون صادقين حتى النخاع: ما شاهدناه في نايميخن لم يكن كرة قدم أوروبية. كان تمريناً تدريبياً مفتوحاً للجمهور، بأسعار تذاكر أوروبية وقمصان عليها شعارات قارية. الدوري الأوروبي بنظامه الجديد الموسع، بمرحلته "الموحدة" التي تبدو كأنها اخترعها محاسب في نادي، لا عاشق للعبة، أنتج لنا مباراة كهذه: فريق هولندي متوسط يعرف أنه لن يتأهل، وفريق بلغاري يعرف أنه لن يتأهل، يتبادلان الكرات في منتصف الملعب كأنهما يؤديان واجباً منزلياً.
ليفسكي صوفيا، النادي الأكثر تتويجاً في تاريخ بلغاريا، وصل إلى هولندا وكأنه جاء لتأدية فريضة. لا شراسة، لا رغبة، لا حتى ذلك الغضب الجميل الذي يجعل الفرق الصغيرة خطيرة. كانوا منظمين، نعم. منظمين كطابور في مصرف. المدرب البلغاري، الذي بدا وكأنه يحسب النقاط على أصابعه، أرسل فريقه ليدافع بعشرة لاعبين خلف الكرة، وكأنه يقول للعالم: "نحن هنا لنأخذ نقطة ونعود".
وفي الجهة المقابلة، نايميخن. نادٍ يعرف جمهوره بالضبط. جمهور يعرف فريقه بالضبط. لا أوهام، لا أحلام كبيرة. فريق يعيش في ظل أياكس وآيندهوفن وفينورد، ويعرف أن أوروبا بالنسبة له ليست فرصة، بل عبء. مباراة إضافية في منتصف الأسبوع، وإصابات محتملة، ومصاريف سفر، مقابل شرف المشاركة في مسابقة يعرف الجميع أنها لن تُحسم لصالحه.
اللحظة الوحيدة التي استحقت أن تُذكر
في الدقيقة 67، سجّل نايميخن هدف التقدم. كانت لعبة جميلة، بصراحة. تمريرة بينية ذكية، تحرك في العمق، تسديدة منخفضة في الزاوية البعيدة. للحظة، صرخ الملعب. للحظة، بدا وكأن هناك كرة قدم هنا. لكن حتى تلك اللحظة، شعرت بأنها مصادفة أكثر من كونها نتيجةً لمنطق. نايميخن لم يكن أفضل. كان فقط أقل سوءاً في لحظة واحدة.
بعدها بعشر دقائق، تعادل ليفسكي. ركلة ركنية، ارتباك في الدفاع، كرة تدحرجت إلى الشباك. لا أحد احتفل بحماس. حتى اللاعبون البلغار بدوا وكأنهم يسددون فاتورة، لا يسجلون هدفاً في مسابقة أوروبية. المدرب لم يتحرك من مقعده. الجماهير البلغارية القليلة التي حضرت لم تصدق. ربما كانوا ينتظرون خسارة، كما اعتادوا في رحلاتهم الأوروبية الأخيرة.
المشكلة ليست في الفريقين، بل في النظام
هنا يجب أن أكون قاسياً: المشكلة ليست في نايميخن ولا في ليفسكي. المشكلة في نظام أوروبي جشع قرر أن يوسع مسابقاته إلى درجة تحوّل فيها كرة القدم إلى حشو. الدوري الأوروبي بنظامه الجديد، بثماني مباريات في مرحلة واحدة، لم يخلق فرصاً أكثر للفرق الصغيرة. خلق مباريات لا معنى لها. مباريات يعرف فيها الجميع النتيجة قبل أن تُلعب. مباريات تُلعب لأن الجدول يقول إنها يجب أن تُلعب، لا لأن هناك شيئاً على المحك.
الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) باع لنا قصة "المزيد من الفرق، المزيد من المباريات، المزيد من الإثارة". لكن الحقيقة هي: المزيد من المباريات يعني مباريات أقل إثارة. عندما يلعب كل فريق ثماني مباريات في مرحلة واحدة، تصبح كل مباراة أقل أهمية. وعندما تصبح كل مباراة أقل أهمية، نحصل على ليالٍ مثل هذه. ليالٍ لا يتذكرها أحد بعد أسبوع. ليالٍ تُلعب فيها المباراة، ثم تُنسى.
من يتحمل المسؤولية؟
ليفسكي صوفيا جاء إلى نايميخن بخطة واضحة: لا تخسر. لا تقدم متعة. لا تجازف. هذا ليس عيباً فيهم، بل عيب في النظام الذي يكافئ هذا النوع من كرة القدم. عندما تكون النقطة الواحدة في مرحلة الدوري كافية لتحسين مركزك قليلاً، لماذا تخاطر؟ عندما تعرف أنك لن تتأهل بغض النظر عما تفعله، لماذا تحاول؟
نايميخن، الذي لعب على أرضه، كان عليه أن يهاجم. كان عليه أن يفرض إيقاعه. لكنه لم يفعل. لماذا؟ لأنه أيضاً يعرف أن هذه المباراة لا تعني شيئاً. فريقه يحتل منتصف جدول الدوري الهولندي. أوروبا بالنسبة له ليست أولوية، بل مصدر دخل إضافي وتجربة لبعض اللاعبين الشباب. عندما تكون هذه هي العقليّة، تحصل على مباراة كهذه. مباراة لا يفوز بها أحد، ولا يخسرها أحد، ولا يتذكرها أحد.
ما الذي يمكن أن ينقذنا من هذا؟
الحل ليس في تقليص عدد الفرق، ولا في إلغاء النظام الجديد. الحل في تغيير المنطق نفسه. في جعل كل مباراة تعني شيئاً. في إعادة كأس الاتحاد الأوروبي القديمة، حيث كانت المسابقة خروج المغلوب من الدور الأول، حيث كانت كل مباراة نهائياً، حيث كانت الفرق الصغيرة تعرف أن لديها فرصة واحدة، لا ثماني فرص لتفعل لا شيء.
أو، على الأقل، الاعتراف بأن كرة القدم الأوروبية أصبحت صناعة ترفيه عالمية، وأن الفرق الصغيرة فيها ليست أبطالاً، بل كومبارس. ممثلون يملؤون المشهد، ثم يغادرون بصمت. الليلة في نايميخن، كان الجميع كومبارس. اللاعبون، المدربون، الجماهير، وحتى الكرة نفسها.
الخلاصة: نقطة لا تعني شيئاً لأحد
عندما أطلق الحكم صافرته النهائية، لم يشعر أحد بالخسارة. لم يشعر أحد بالفوز. ليفسكي صوفيا عاد إلى صوفيا بنقطة قد لا تغير شيئاً في مشواره الأوروبي. نايميخن بقي في نايميخن بنقطة قد لا تغير شيئاً في موسمه. الجماهير عادت إلى بيوتها. الصحفيون كتبوا تقاريرهم. الجميع أدى واجبه.
لكن في عالم مثالي، كان يجب أن تكون هذه المباراة درساً. درساً في أن كرة القدم، عندما تفقد معناها، تصبح مجرد رياضة. وعندما تصبح مجرد رياضة، تفقد سبب وجودها. السبب الذي جعل الملايين يعشقونها. السبب الذي جعلنا نكتب عنها. السبب الذي جعلنا نشاهد مباراة لا معنى لها في ليلة باردة في هولندا، ونحن نعرف أننا نضيع وقتنا، لكننا نشاهدها على أي حال.
لأننا نحب كرة القدم. حتى عندما تخوننا. حتى عندما تصبح عبئاً.